الطبراني

69

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وأما من ناحية المعاني فإن الذي يبيّنها هو الرسول بصريح القرآن ، وليس التوراة والإنجيل . ولذلك لا سبيل إلى التوراة والإنجيل في فهم معاني القرآن ، لأن اللّه أمرنا بالرجوع إلى الرسول ، وبيّن لنا أن الرسول بيّن القرآن ، ولم يأمرنا بالرجوع إلى التوراة والإنجيل . فلا يجوز أن نرجع إلى التوراة والإنجيل لفهم قصص القرآن وأخبار الأمم الماضية . وكذلك لا سبيل إلى غير التوراة والإنجيل من كتب التاريخ وغيرها ، لأن الموضوع ليس شرح قصّة يقال إن هذا مصدر أوسع على فرض صدقه ، وإنما الموضوع هو شرح نصوص معيّنة نعتقد أنّها كلام رب العالمين . فيجب الوقوف عند مدلولات هذه النصوص من حيث اللغة التي جاءت بها وما تقتضيه هذه اللغة ، ومن حيث الاصطلاح الشرعي من صاحب الاصطلاح ، وهو الرسول الذي قال اللّه إنّ القرآن أنزل عليه ليبيّنه هو للناس . ومن هنا يجب أن ينفى من التفسير كلّ قول جاء من التوراة أو الإنجيل أو كتب التاريخ وغيرها . ويكون من الافتراء على اللّه أن نزعم أن هذه هي معاني كلام اللّه ولا توجد شبهة دليل أن لها علاقة بمعاني كلام رب العالمين . وأما ما يزعمه الكثير من الناس قديما وحديثا من أنّ القرآن يحوي العلوم والصناعات والاختراعات وأمثالها ، فيضيفون إلى القرآن كلّ علم يذكر للمتقدمين والمتأخرين ، من علوم الطبيعيات والكيمياء ، والمنطق ، وغير ذلك ، فإنه لا أصل له ، وواقع القرآن يكذّبهم . فإن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا . وكلّ آياته إنما هي أفكار للدلالة على عظمة اللّه ، وأحكام لمعالجة أعمال العباد . وأما ما حدث من العلوم فإنه لم ترد فيه لا آية ، ولا جزء آية ، فضلا عن آيات فيها أدنى دلالة على أيّ علم من العلوم . وما ورد فيه مما يمكن أن يطبق على نظريات أو حقائق علمية ، كآية : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً « 1 » الآية فإنما جاء للدلالة على قدرة اللّه ، لا لإثبات النواحي العلمية . وأما قوله تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ « 2 » فالمراد منه لكلّ شيء من التكاليف والتعبّد

--> ( 1 ) الروم / 48 . ( 2 ) النحل / 89 .